لو طلبت منك الآن أن تتذكر موقفا قديما...
ستغمض عينيك قليلا ثم تقول:
"أيوه... أتذكره تماما."
لكن...
ماذا لو أخبرتك أن أكثر شخص قد يخدعك في تلك اللحظة... هو أنت؟
ليس لأنك تكذب.
بل لأن ذاكرتك لا تحفظ الماضي كما هو... بل تعيد تأليفه كل مرة تستحضره فيها.
كم مرة قلت بثقة:
"أنا متأكد مليون بالمئة!"
ثم ظهرت صورة قديمة أو مقطع فيديو أو شاهد آخر... فقلب كل ما كنت تؤمن به؟
الغريب أن العلماء يصفون الذاكرة بأنها ليست خزنة مغلقة، بل ورشة عمل لا تتوقف. في كل مرة تسترجع فيها ذكرى، يضيف عقلك بعض التفاصيل، ويحذف أخرى، ويرتب الأحداث بطريقة تبدو منطقية... حتى لو لم تكن صحيحة تماما.
ولهذا قد يجلس ثلاثة أشخاص في المكان نفسه، يشهدون الحادثة نفسها، ثم يخرج كل واحد منهم برواية مختلفة.
والأغرب...
أن الثلاثة قد يكونون صادقين.
في إحدى الدراسات، شاهد مجموعة من الناس مقطع فيديو للحادثة نفسها. وبعد أيام سئلوا عنها، فاختلفوا في أوصاف السيارة، وسرعتها، وحتى لون بعض التفاصيل. لم يكن أحد منهم يحاول الكذب، لكن ذاكرتهم ملأت الفراغات بما ظنته صحيحا.
ولهذا السبب، أصبحت شهادات الشهود في بعض القضايا تُراجع بحذر، لأن الثقة بالذاكرة ليست دليلا على دقتها.
وهنا دعنا نخرج من المختبر...
كم مرة قلت لزوجتك:
"أنت قلتي كذا."
وقالت لك:
"مستحيل... أنا ما قلت."
ويرتفع الصوت، ويقسم كل طرف أنه يتذكر الحقيقة كاملة.
وربما...
لم يكن أحد يكذب.
بل كانت الذاكرة عند الطرفين قد أعادت كتابة المشهد بطريقتها.
لهذا فإن أجمل عبارة قد تنقذ علاقة، ليست:
"أنا متأكد."
بل:
"ممكن أكون متذكر غلط."
هذه الجملة لا تنقص من هيبتك.
بل تدل على نضجك.
فالإنسان الحكيم لا يثق بذاكرته ثقة عمياء، ولا يتهم الآخرين بالكذب لمجرد أن روايتهم اختلفت عن روايته.
في المرة القادمة التي تدخل فيها في نقاش قديم...
لا تجعل السؤال:
"من الكذاب؟"
بل اسأل نفسك أولا:
"هل يمكن أن تكون ذاكرتي... هي التي خدعتني؟"
فليس كل خلاف سببه سوء النية...
أحيانا...
يكون سببه ذاكرة... أقسمت أنها لا تخطئ.
عصام كوشك
الثلاثاء 7صفر 1448هـ
21 يوليو 2026م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب

يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع