أحيانا يكون كل شيء في مكانه… البيت مرتب والراتب ينزل والأولاد حولك والجوال لا يتوقف عن الرنين والصور تقول إن الحياة ماشية تمام. ومع ذلك تشعر أن هناك شيئا ناقصا.
تفتش في يومك فلا تعرفه. تغير المكان وتشتري شيئا جديدا وتخرج مع الأصحاب وتضحك أكثر من اللازم ثم تعود بنفس الشعور… كأن هناك كرسيا فارغا في داخلك لكن لا أحد يراه.
المشكلة أننا حين نشعر بالنقص نبدأ عادة بالبحث عن شيء نضيفه مع أن ما ينقصنا قد لا يكون شيئا أصلا. قد يكون حديثا صادقا أو شخصا يسمعك دون أن يحول كلامك إلى محاضرة أو وقتا تجلس فيه مع نفسك بلا شاشة أو شعورا بأن وجودك مهم عند أحد لا لأنك تنفعه بل لأنك أنت.
نحن نملك وسائل تواصل أكثر لكننا لا نتواصل كما ينبغي. نرسل عشرات الرسائل ونؤجل السؤال الحقيقي: كيفك من جد؟
نجلس في مكان واحد وكل شخص يحمل عالما آخر في يده. نضحك على مقطع ونتشارك صورة ثم يقوم كل واحد منا وهو لا يعرف ماذا يحدث في قلب الآخر.
وربما يكون الشيء الناقص في بعض البيوت هو الأمان. ليس أمان الأبواب والأقفال بل أمان الكلام. أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية وأن تخطئ دون أن تتحول زلتك إلى ملف محفوظ وأن تعترف بتعبك دون أن تسمع: غيرك عنده مشاكل أكبر منك.
وفي بعض العلاقات لا ينقص الحب بل ينقص التعبير عنه. نحبهم لكننا نفترض أنهم يعرفون ونشتاق إليهم لكننا ننتظر أن يبدأوا ونحتاجهم لكننا نتظاهر بأننا بخير. ثم تمر الأيام ونكتشف أن المشاعر التي لا تقال قد تفهم على أنها غير موجودة.
وأحيانا يكون الناقص هو نحن. نسخة منا تركناها في مكان ما ونحن نحاول إرضاء الجميع. تنازلنا مرة وسكتنا مرة وغيرنا أنفسنا مرة حتى أصبحنا مقبولين عند الناس… وغرباء عن أنفسنا.
لهذا لا تسأل دائما: ماذا أحتاج أن أشتري؟
اسأل: ماذا فقدت وأنا مشغول بجمع كل هذه الأشياء؟
قد لا تحتاج رحلة جديدة ولا هاتفا أحدث ولا دائرة أكبر من المعارف. قد تحتاج جلسة بلا استعجال واعتذارا تأخر وحضنا لم تطلبه وشخصا تستطيع أن تسقط أمامه دون أن يستغل سقوطك.
الشيء الناقص الذي لا نراه لا يظهر في الصور ولا تشتريه الأموال ولا تعوضه كثرة الانشغال. لكنه يظهر فجأة في صمت آخر الليل حين تهدأ كل الأشياء التي استخدمناها حتى لا نسمع أنفسنا.
وقتها فقط نفهم:
لم تكن حياتنا فارغة… كان فيها كل شيء إلا الشيء الذي يجعل لكل شيء معنى.
عصام كوشك
الخميس 9 صفر 1448هـ
23 يوليو 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع