📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

النسخة اللي تعجبهم


مو كل من أحب وجودك أحبك كما أنت. بعضهم أحب النسخة السهلة منك. النسخة التي توافق بسرعة وتسكت كثيرا وتسامح قبل أن تسمع اعتذارا وتترك مشاغلها بمجرد أن يطلبها أحد.

هذه النسخة تعجبهم لأنها لا تتعبهم. لا تسأل لماذا ولا تقول هذا يضايقني ولا تضع حدودا واضحة. تتحمل حتى لا تخسر أحدا وتتنازل حتى لا تكبر المشكلة ثم تعود وحدها تجمع ما تبقى منها.

لكن في يوم ما تتعب.

تبدأ تقول لا . عندما لا تستطيع وتعتذر عن الطلب الذي لا يناسبك وتتوقف عن تبرير كل قرار تتخذه. لا تصبح شخصا سيئا ولا متكبرا. كل ما حدث أنك بدأت ترى نفسك أيضا بعد سنوات كنت ترى فيها الجميع إلا أنت.

وهنا تسمع الجملة الشهيرة:

إنت تغيرت!

نعم تغيرت. لكن ليس كل تغير خيانة للصورة القديمة. أحيانا يكون التغير عودة متأخرة إلى نفسك. وأحيانا يكون الشيء الذي يسمونه تغيرا مجرد حدود ظهرت بعد أن اعتادوا منك أن تكون بلا حدود.

المشكلة أن بعض الناس لا يسألون: ماذا حدث لك؟ بل يسألون في داخلهم: لماذا لم تعد تفعل لنا ما كنت تفعله؟

لم يزعجهم تعبك لأنهم لم يروه أصلا. الذي أزعجهم أن نتائج تعبك وصلت إليهم. قل حضورك وتوقفت تنازلاتك ولم تعد تبتلع الكلمات التي تجرحك ثم تبتسم وكأن شيئا لم يكن.

وهنا يظهر الفرق بين من يحبك ومن يحب النسخة التي تخدم راحته. من يحبك قد يستغرب تغيرك لكنه يسمعك ويحاول أن يفهمك ويعيد ترتيب علاقته بك. أما من أحب النسخة المريحة منك فسيحاول إعادتك إليها باللوم أو الزعل أو إشعارك بالذنب.

سيذكرك بمواقفك القديمة وكأنها عقد دائم. يقول لك: طول عمرك ما كنت ترفض. وكأن قبولك السابق يلزمك بالقبول إلى الأبد. وقد يقول: ما توقعنا منك كدا. ليس لأن ما فعلته خطأ بل لأنك خرجت من الدور الذي رسمه لك.

لكن انتبه… وضع الحدود لا يعني أن تتحول إلى شخص قاس ولا أن تنتقم من الجميع باسم الاهتمام بنفسك. هناك فرق بين أن تحمي نفسك وبين أن تؤذي غيرك. وفرق بين أن تقول لا بأدب وبين أن تجعل كل علاقة ساحة لإثبات القوة.

النضج ليس أن تغلق أبوابك. النضج أن تعرف من يستحق الدخول ومتى تفتح الباب ومتى تقول: يكفي إلى هنا.

ولا تجعل خوفك من عبارة إنت اتغيرت يعيدك إلى نسخة أنهكتك. الناس الذين يحبونك فعلا سيتعرفون عليك من جديد. قد يحتاجون وقتا لكنهم لن يعاقبوك لأنك أصبحت أوضح ولن يطلبوا منك أن تخسر نفسك حتى تطمئن قلوبهم.

اسأل نفسك بهدوء: هل يشتاقون إلي فعلا أم إلى خدماتي؟ هل يحبون حديثي أم يحبون أن أوافقهم؟ هل وجودي مهم عندهم أم سهولة الوصول إلي هي المهمة؟

الإجابات قد تكون موجعة لكنها تنظف العلاقات من الوهم.

النسخة اللي تعجبهم قد لا تكون أنت. قد تكون الشخصية التي صنعتها خوفا من خسارتهم ثم اكتشفت أنك أثناء المحافظة عليهم كنت تخسر نفسك قطعة بعد قطعة.

لا بأس أن تتغير. لكن اجعل تغيرك أكثر وعيا لا أكثر قسوة. كن طيبا لكن لا تكن مستباحا. ساعد لكن لا تجعل المساعدة واجبا دائما عليك. سامح لكن لا تتظاهر أن الجرح لم يحدث.

وفي المرة القادمة التي يقول لك فيها أحدهم: إنت اتغيرت…

ابتسم واسأل نفسك قبل أن تدافع عنها:

هل تغيرت فعلا… أم أنني فقط توقفت عن تمثيل النسخة التي تعجبهم؟

عصام كوشك 

السبت 11 صفر 1448هـ

25 يوليو 2026 م

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات