سافرت حتى ترتاح ورجعت تحتاج يومين ترتاح من السفر. نومك ملخبط وظهرك يشتكي والشنط ما زالت مقفلة في الصالة وأول سؤال تسأله لنفسك: ليش أنا تعبان كدا؟
يمكن لأنك ما سافرت… يمكن دخلت سباق تنقلات.
في ناس يحجزو رحلة مدتها عشرة أيام ثم يقررو زيارة أربع دول وخمس مدن. يوم في مدينة ويومان في الثانية وليلة في الثالثة وصباح اليوم الرابع في المطار. وكلما قلت لهم الجدول مزدحم قالوا لك: ما دام وصلنا أوروبا لازم نستفيد!
وتبدأ الاستفادة.
تصحى بدري حتى تلحق القطار. تجمع أغراضك وتفتش تحت السرير وتشحن الجوال وتطلب سيارة وتسلم الغرفة وتسحب الشنط وتوصل المحطة وتنتظر. وبعد ساعات تصل إلى مدينة جديدة وتبحث عن الفندق وتنتظر موعد الدخول ثم تفتح الشنطة التي ستقفلها صباح الغد.
وبعد كل هذا يبقى لك ساعتان تزور فيهما المدينة وتصور أشهر معلم وتأكل أي شيء قريب ثم تعود إلى الفندق لأن عندك بكرة رحلة بدري.
يا حبيبي إنت شفت البلد ولا سلمت عليها من بعيد؟
المشكلة أن بعض الناس أصبح يقيس نجاح السفر بعدد الدول لا بما عاشه فيها. يعود ويقول: زرت أربع دول في رحلة واحدة. لكن لو سألته ماذا أحب في كل دولة قد يعطيك أسماء المطارات والفنادق وربما المطعم الذي أكل فيه بسرعة قبل إغلاق بوابة الصعود.
السفر ليس مسابقة لجمع الأعلام ولا سباقا لزيادة عدد الأختام في الجواز. ليس المهم كم دولة مررت بها بل كم مكان بقي داخلك بعد أن عدت.
قد تزور مدينة واحدة في أسبوع فتتعرف على شوارعها وأحيائها وأكلها وإيقاع يومها. تجلس في مقهى بلا استعجال وتمشي في سوق شعبي وتكتشف مطعما صغيرا لم يكن في الخطة وتعود إلى مكان أعجبك لأنك تملك الوقت. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تتحول لاحقا إلى ذاكرة حقيقية.
أما الرحلة المزدحمة فغالبا تمنحك صورا كثيرة وذكريات قليلة. عندما تفتح الصور تعرف أنك كنت هناك لكنك لا تتذكر ماذا شعرت ولا ماذا حدث. كل الأيام متشابهة: استقبال وفندق وشنطة وسيارة ومطار جديد.
وفن السفر يبدأ قبل السفر. يبدأ حين تسأل نفسك: لماذا أنا مسافر؟ هل أبحث عن الراحة أم التسوق أم الطبيعة أم التاريخ أم مجرد تغيير الجو؟ لأن الرحلة التي تناسب شخصا يحب الحركة قد لا تناسب عائلة معها أطفال أو كبار سن. والجدول الذي يبدو ممتعا على الورق قد يتحول على أرض الواقع إلى هجولة جماعية.
ليس معنى هذا أن زيارة عدة دول في رحلة واحدة خطأ. قد تكون الدول قريبة والتنقل بينها سهلا والمدة طويلة. وقد يكون المسافر مستمتعا بالحركة ويعتبر الطريق جزءا من التجربة. المشكلة ليست في العدد وحده بل في العلاقة بين عدد الأماكن وعدد الأيام وقدرة المسافر على التحمل.
كل انتقال بين مدينتين لا يأخذ ساعة الطيران المكتوبة في الحجز فقط. هناك وقت تجهيز الشنط والخروج من الفندق والوصول إلى المطار والتفتيش والانتظار واستلام الأمتعة ثم الذهاب إلى الفندق الجديد. رحلة طيران مدتها ساعة قد تأكل نصف يوم كامل.
وإذا تكرر هذا أربع مرات فقد دفعت من إجازتك يومين أو ثلاثة مقابل الوقوف في الطوابير وسحب الشنط والنظر إلى لوحات الرحلات.
السفر الجميل يحتاج إلى مساحات فارغة. يوم لا يوجد فيه حجز ولا قطار ولا موعد دخول. صباح تستيقظ فيه وتسأل: فين نروح اليوم؟ ثم تخرج على رواقة. هذه المساحة ليست وقتا ضائعا بل هي التي تجعل الرحلة رحلة وليست برنامجا تنفيذيا.
ولا يلزم أن تزور كل معلم مشهور. بعض الأماكن ندخلها فقط لأن الناس قالوا إنه لا يجوز أن نزور المدينة من دونها. نقف في طابور طويل وندفع ثم نخرج بصورة لا تختلف كثيرا عن آلاف الصور الموجودة في الإنترنت.
اختر ما يشبهك أنت. إذا كنت لا تحب المتاحف فلا تعاقب نفسك بثلاثة متاحف في يوم واحد حتى تثبت أنك سائح مثقف. وإذا كنت لا تحب التسوق فلا تضيع نصف الرحلة في الأسواق لأن البرنامج يقول ذلك. إجازتك ليست اختبارا وعليك إكمال جميع الأسئلة.
ومن فن السفر أن تترك مكانا للمفاجأة. قد يكون أجمل يوم في الرحلة هو اليوم الذي ضاعت فيه الخطة. وقد يكون أجمل مطعم هو الذي دخلته هربا من المطر. وقد تكون أجمل جلسة على مقعد في شارع عادي لم يذكره أي دليل سياحي.
هذه الأشياء لا تحدث غالبا لمن يركض والساعة في يده.
قبل أن تضيف مدينة جديدة إلى برنامجك اسأل: ماذا ستضيف هذه المدينة إلى الرحلة؟ وهل تستحق تعب الانتقال إليها؟ أم أنني أضيفها فقط حتى أقول إنني زرتها؟
أحيانا يكون حذف مدينة من الجدول هو القرار الذي ينقذ الرحلة كلها. يقل حمل الشنط وتخف الحجوزات ويهدأ أفراد العائلة وتصبح هناك فرصة للاستمتاع بدل اللهاث.
لا تجعل هدفك أن تعود وقد رأيت كل شيء. هذا مستحيل. عد وأنت مرتاح وممتلئ بتجربة جميلة ولديك رغبة في السفر مرة أخرى.
الرحلة الناجحة ليست التي تحتاج بعدها إلى إجازة أخرى. وليست التي تعود منها ومعك ألف صورة وأسماء خمس دول.
الرحلة الناجحة هي التي عندما يسألك أحد: كيف كانت؟
تبتسم قبل أن تجيب
عصام كوشك
الإثنين 13 صفر 1448هـ
27 يوليو 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع