📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

العمر سبقك


في ناس تدخل العقد الخامس من عمرها ثم تقترب من السادس ولسه كل ما سألتها: إنت إيش تبغى من حياتك؟ تنظر لك نظرة واحد انمسك في سؤال خارج المنهج.

مرة يبغى يبدأ مشروعا ومرة يقول الوظيفة أضمن. مرة يفكر يسافر ومرة يتراجع. مرة يتحمس لتغيير حياته وفي اليوم الثاني يرجع لنفس الكرسي ونفس الأعذار ونفس الجملة المحفوظة: خليني أفكر.

يا حبيبي إنت من أربعين سنة تفكر… متى ناوي تخلص؟

المشكلة مو إنه ما حقق كل أحلامه. كثير من الناس حالت بينهم وبين أحلامهم ظروف ومسؤوليات والتزامات ما كانت في الحسبان. والمشكلة مو إنه قرر يغير طريقه بعد الخمسين. بالعكس قد تكون البداية المتأخرة أشجع وأصدق من بداية عاشها الإنسان لإرضاء غيره.

المشكلة الحقيقية إنه إلى الآن ما يعرف هو يبغى إيش.

كل يوم له رأي وكل شخص يقابله يعطيه اتجاها جديدا. إذا جلس مع تاجر فكر يفتح مشروعا وإذا قابل مسافرا قرر يهاجر وإذا سمع عن واحد تقاعد وارتاح بدأ يحسب سنوات خدمته وإذا شاف مشهورا في مواقع التواصل اشترى إضاءة وفتح الكاميرا… وبعد يومين رجعها للكرتون.

هو ما يعيش حياته. هو يجرب حياة كل شخص يمر أمامه.

والأغرب إنه يشتكي من ضياع الوقت وكأن الوقت كان جالسا معه ثم قام فجأة وهرب. الحقيقة أن الوقت ما هرب. الوقت كان يمشي بطبيعته وهو الذي ظل واقفا في مكانه ينتظر علامة من السماء أو دفعة من أحد أو لحظة مثالية لن تأتي.

العمر ما يوقف عند بابك ويقول: أخلص أمورك وأنا أنتظرك.

يمشي وأنت محتار. يمشي وأنت تؤجل. يمشي وأنت تجمع آراء الناس. ثم تلتفت فجأة فتكتشف أن السنوات التي كنت تقول عنها لسه بدري أصبحت هي نفسها السنوات التي تقول عنها راحت بسرعة.

ليس مطلوبا منك بعد الأربعين أو الخمسين أن تكون مليونيرا ولا مشهورا ولا صاحب إنجازات تهز العالم. المطلوب فقط أن تكون قد عرفت نفسك بدرجة معقولة. تعرف ما الذي يناسبك وما الذي لا يشبهك ومن يستحق أن يبقى في حياتك وما الذي يجب أن تتوقف عن مطاردته.

يعني بالله بعد كل هذه السنوات ولسه كل من رفع صوته غير رأيك؟ ولسه تحتاج موافقة الناس على قرارات تخص عمرك أنت؟ ولسه تبدأ الأشياء لأن غيرك بدأها وتتركها لأن أحدا لم يشجعك؟

متى حتعيش بنسختك الأصلية؟

هناك فرق كبير بين إنسان يعيد ترتيب حياته بعد تجربة طويلة وبين إنسان لم يرتبها من الأساس. الأول عرف أن الطريق لا يناسبه فامتلك شجاعة التغيير. أما الثاني فما زال واقفا عند أول تقاطع يسأل كل عابر: من فين أروح؟

وبعد أن يسمع الإجابات كلها… لا يذهب إلى أي مكان.

بعض الناس يخاف من اتخاذ القرار لأنه لا يريد أن يخطئ. فيظل بلا قرار سنوات طويلة ثم لا ينتبه إلى أن عدم الاختيار كان أكبر اختيار خاطئ في حياته. فالطريق الخطأ يمكن أن تتعلم منه وتعود. أما الوقوف فلا يعطيك تجربة ولا نتيجة ولا حتى حكاية تستحق أن تروى.

وفي هذا العمر لا تحتاج إلى خطة معقدة من خمسين صفحة. تحتاج أن تجلس مع نفسك بصدق وتسألها ثلاثة أسئلة واضحة: إيش أبغى أكمل فيه؟ إيش لازم أوقفه؟ وإيش الشيء اللي لو ما بدأت فيه الآن حأندم عليه بعد خمس سنوات؟

لا تبحث عن إجابات تثير إعجاب الناس. ابحث عن إجابات تستطيع أن تعيش معها.

قد تكتشف أنك لا تريد مشروعا كبيرا بل حياة أهدأ. وقد تعرف أنك لا تحتاج دائرة واسعة من العلاقات بل شخصين صادقين. وقد تكتشف أن الحلم الذي تطارده من سنوات لم يكن حلمك أصلا بل فكرة زرعها فيك شخص آخر ثم انشغل بحياته وتركك تركض خلفها.

ليس عيبا أن تتوقف وتعيد الحسابات. العيب أن تجعل إعادة الحسابات وظيفة دائمة حتى ينتهي الرصيد.

اصح من الحيرة قبل أن تصبح الحيرة طبعك. اختر شيئا وابدأ. وإن أخطأت عدل طريقك. وإن فشلت تعلم. وإن تغيرت رغبتك اعترف بذلك. المهم ألا تبقى واقفا زي ( صجو بياع الفرافير) على رصيف العمر وكل القطارات تمر أمامك وأنت تقول: خليني أشوف اللي بعده.

لأن اللي بعده قد يأتي…

لكن قد لا تجد معك عمرا يكفي لتركبه.

العمر سبقك؟

الحقه بقرار.

عصام كوشك 

السبت 11 صفر 1448هـ

25 يوليو 2026 م 


لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات