الكذبة التي لا تنام

 


في ناس تفتكر إن الكذبة تنتهي أول ما تنقال.

والحقيقة إنها في تلك اللحظة فقط... تبدأ.

الكذبة ما تنام لأنها تحتاج حارس. كل يوم تخاف تنكشف. وكل موقف جديد يحتاج تعديل في الرواية. وكل سؤال مفاجئ قد يهدم البناء كله.

عجيب أمر الكذب.

الحقيقة تعيش وحدها، أما الكذبة فلا تستطيع أن تعيش إلا وهي متكئة على أختها.

واحد يكذب على صديق، ثم يضطر يكذب على زوجته حتى لا تنكشف الكذبة الأولى. وبعدها يكذب على زميله، ثم يحذف رسالة، ويغير موعد، ويختلق عذر، ويبدأ يحفظ ما قاله لهذا وما قاله لذاك.

وفي النهاية يصبح أكثر شخص مرهق... هو الكاذب نفسه.

لهذا تجد الصادق غالبا أكثر راحة. ليس لأنه لا يخطئ، بل لأنه لا يحمل فوق كتفيه عبء تذكر الأكاذيب.

الغريب أن بعض الأكاذيب لا تؤذي الآخرين فقط، بل تؤذي صاحبها قبل الجميع. يعيش في قلق دائم، يخاف من اتصال، أو لقاء، أو سؤال بسيط يبدأ بكلمة: "تتذكرلما قلت...؟"

وهنا تصبح الكذبة سجنا، وسجانها هو صاحبها.

ولذلك فإن الاعتراف بالحقيقة في بدايتها، مهما كان محرجا، أهون بكثير من سنوات يقضيها الإنسان وهو يحرس كذبة لا تنام.

في حياتنا اليومية لسنا بحاجة إلى أن نكون كاملين. كلنا نخطئ، وكلنا نقصر، لكن الصراحة تمنحنا فرصة لإصلاح الخطأ، أما الكذب فيمنح الخطأ عمرا أطول.

أحيانا نخاف من الحقيقة لأنها مؤلمة، ثم نكتشف بعد فترة أن الكذبة كانت أكثر إيلاما، وأغلى ثمنا، وأطول بقاء.

فكر فيها...

كم إنسان خسر وظيفة أو صديقا أو ثقة أو أسرة كاملة... ليس بسبب الخطأ الأول، بل بسبب الكذبة التي جاءت لتغطيه.

الحقيقة قد تجرح مرة.

أما الكذبة...

فلا تنام.

 عصام كوشك 

السبت 4صفر 1448هـ

18 يوليو 2026م



لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
تعليقات
    🟢 أحدث الموضوعات:
    جاري تحميل أحدث الموضوعات...