📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

البلشفية


اسم مر على أسماع كثير من الناس في الكتب والأفلام والخطب السياسية. بعضهم يربطه بالشيوعية وبعضهم يظنه اسما لدولة أو جماعة عسكرية. لكن ما البلشفية؟ ومن هم البلاشفة؟ وكيف تحولت جماعة صغيرة مطاردة إلى قوة حكمت واحدة من أكبر دول العالم؟

تبدأ الحكاية في روسيا مطلع القرن العشرين. كانت البلاد تحت حكم القيصر نيقولا الثاني وتعاني فقرا واسعا وفوارق كبيرة بين الطبقات. كان معظم السكان من الفلاحين بينما بدأت المدن تمتلئ بالعمال الذين يعملون في ظروف قاسية. وفي الوقت نفسه كانت الأفكار الاشتراكية تنتشر بين المثقفين والعمال وتدعو إلى إسقاط الحكم القيصري وتغيير نظام الملكية وتوزيع الثروة.

في عام 1903 عقد حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي مؤتمره الثاني. بدأ المؤتمر في بروكسل ثم انتقل إلى لندن. لم يكن الحزب كبيرا ولا يملك دولة ولا جيشا. كان مجرد تجمع لمعارضين وثوريين يلاحقهم الأمن القيصري. ومع ذلك خرج من ذلك الاجتماع خلاف سيغير تاريخ روسيا والعالم.

كان الخلاف بين فلاديمير لينين ويوليوس مارتوف حول شكل الحزب ومن يحق له أن يكون عضوا فيه. أراد مارتوف حزبا واسعا يضم كل من يؤيد أفكاره ويساعده. أما لينين فأراد تنظيما أصغر وأكثر صرامة يتكون من ثوريين محترفين يتفرغون للعمل ويلتزمون بقرارات القيادة.

كان لينين يرى أن الجماهير الغاضبة قد تثور لكنها لن تستطيع وحدها إدارة الثورة أو حماية نتائجها. لذلك كان يريد حزبا شديد الانضباط يقود الجماهير ويحدد لها الطريق. ومن هنا ظهرت إحدى أهم أفكار البلشفية: الثورة لا تنتظر أن ينضج المجتمع بهدوء بل تحتاج إلى قيادة منظمة تعرف متى تتحرك وكيف تستولي على السلطة.

خلال المناقشات فاز جناح لينين بأكثرية مؤقتة في بعض التصويتات فأطلق عليه اسم البلاشفة وهي كلمة روسية تعني الأكثرية. وأطلق على جناح مارتوف اسم المناشفة أي الأقلية. والمفارقة أن البلاشفة لم يكونوا دائما الأكثر عددا بل كان المناشفة أكثرية في مراحل مختلفة. لكن الاسم التصق بلينين وأتباعه وبقي معهم حتى أصبح من أشهر الأسماء السياسية في القرن العشرين.

لم يكن الخلاف مجرد منافسة على الأسماء. كان المناشفة يعتقدون أن روسيا تحتاج أولا إلى مرحلة ديمقراطية وتطور اقتصادي قبل الانتقال إلى الاشتراكية. وكانوا أكثر استعدادا للعمل مع القوى الليبرالية واستخدام النشاط السياسي والنقابي. أما البلاشفة فكانوا أكثر استعجالا وحسما ويرون أن الحزب المنظم يستطيع قيادة الثورة والاستيلاء على السلطة دون انتظار المراحل الطويلة التي يتحدث عنها خصومهم.

مرت روسيا بعد ذلك بسنوات من الاضطراب والقمع والحروب. وفي عام 1914 دخلت الحرب العالمية الأولى ودفعت ثمنا باهظا من أرواح الجنود والاقتصاد والغذاء. ازدادت الطوابير في المدن وانتشر الغضب في الجيش والشارع حتى اندلعت ثورة فبراير عام 1917 وسقط الحكم القيصري.

بعد سقوط القيصر تشكلت حكومة مؤقتة لكنها استمرت في الحرب ولم تستطع حل أزمات الغذاء والأرض. وفي الوقت نفسه ظهرت مجالس العمال والجنود المعروفة باسم السوفييتات وأصبحت قوة موازية للحكومة.

عاد لينين من منفاه إلى روسيا ورفع البلاشفة شعارات بسيطة ومباشرة لامست احتياجات الناس: السلام والأرض والخبز. السلام للجنود الذين أنهكتهم الحرب. والأرض للفلاحين الذين حرموا منها. والخبز للمدن التي عانت الجوع.

خلال أشهر قليلة كسب البلاشفة تأييدا متزايدا بين العمال والجنود. وفي ليلة 25 أكتوبر 1917 وفق التقويم الروسي القديم التي وافقت 7 نوفمبر وفق التقويم الميلادي المستخدم اليوم تحركت قواتهم وسيطرت على المواقع المهمة في بتروغراد ثم أسقطت الحكومة المؤقتة.

وهنا انتقلت البلشفية من فكرة داخل حزب إلى سلطة تحكم دولة.

لكن الاستيلاء على الحكم لم يكن نهاية الثورة بل بداية صراع أشد. دخلت روسيا حربا أهلية بين الجيش الأحمر الذي قاده البلاشفة وخصوم متعددين عرفوا بالجيش الأبيض. صاحب الحرب عنف واسع ومجاعات وانهيار اقتصادي وتدخلات خارجية. وبعد انتصار البلاشفة ثبتوا حكمهم وأعادوا تسمية حزبهم بالحزب الشيوعي الروسي ثم أصبح لاحقا الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي الذي تأسس عام 1922.

فهل البلشفية هي الشيوعية نفسها؟

ليست شيئا واحدا بالكامل. الشيوعية فكرة أوسع تقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والسعي إلى مجتمع بلا طبقات. أما البلشفية فهي الطريقة التي طورها لينين لتحقيق الثورة وإدارة الحزب والدولة. جوهرها حزب مركزي شديد الانضباط يقود الطبقة العاملة ويستولي على السلطة ثم يستخدم الدولة لإعادة تشكيل المجتمع.

كان أنصار البلشفية يرون فيها طريقا لإنهاء استغلال العمال والفلاحين وبناء مجتمع أكثر عدالة. لكن التجربة في الحكم أدت أيضا إلى احتكار حزب واحد للسلطة وقمع الخصوم وتوسيع سيطرة الدولة على السياسة والاقتصاد والمجتمع. ثم جاء جوزيف ستالين بعد وفاة لينين ورفع المركزية والقمع إلى مستويات أشد وأوسع.

لهذا لا يمكن فهم البلشفية من خلال الشعارات وحدها ولا من خلال نتائجها وحدها. بدأت بوعد تحرير الإنسان من الاستغلال لكنها بنت في طريقها دولة شديدة السيطرة. رفعت صوت العمال والفلاحين لكنها لم تسمح بتعدد سياسي حقيقي. أسقطت حكما قيصريا قديما ثم أنشأت نظاما جديدا جمع السلطة في يد الحزب.

والأغرب في القصة أن الحركة التي غيرت خريطة العالم بدأت بخلاف داخل اجتماع صغير حول سؤال يبدو عاديا:

من يحق له أن يكون عضوا في الحزب؟

أحيانا تبدأ الأحداث الكبرى من تفصيله لا يلتفت إليها أحد. كلمة خرجت من تصويت مؤقت أصبحت اسم ثورة. وجماعة صغيرة مطاردة أصبحت حكومة. وفكرة نوقشت في غرف ضيقة امتد تأثيرها إلى دول وقارات وحروب وتحالفات استمرت معظم القرن العشرين.

تلك باختصار هي البلشفية.

ليست اسما لدولة ولا جيشا مستقلا ولا كلمة مرادفة لكل أنواع الشيوعية. إنها الحركة التي قادها لينين وآمنت بأن حزبا صغيرا منظما يستطيع قيادة ثورة والاستيلاء على السلطة وإعادة تشكيل مجتمع كامل.

وقد نجحت في الاستيلاء على الدولة…

لكن الجدل لم ينته حتى اليوم حول الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل ذلك النجاح.

ومن أغرب ما بقي من إرث البلشفية أن جسد لينين نفسه لم يدفن بعد وفاته عام 1924. فقد حُفظ بوسائل كيميائية خاصة ووضع داخل ضريح في الساحة الحمراء بموسكو حيث بقي معروضا للزوار حتى اليوم. وكأن الرجل الذي أشعل واحدة من أكبر ثورات القرن العشرين ما زال حاضرا بجسده بعد أكثر من قرن على رحيله.

عصام كوشك 

السبت 11 صفر 1448هـ

25 يوليو 2026 م

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات