الوقت يخدعنا !

الوقت يخدعنا 



هل لاحظت يوما أن خمس دقائق قد تبدو أحيانا أطول من ساعة كاملة؟

تجلس في صالة انتظار، تنظر إلى الساعة، فتجد أن الدقيقة تتحرك ببطء شديد، وكأن الزمن قرر أن يتوقف. ثم تجلس مع صديق قديم لم تره منذ سنوات، فتتفاجأ أن ساعتين مرتا وكأنهما عشر دقائق.

الغريب أن الساعة لم تتغير.

الذي تغير هو إحساسنا بها.

عندما ننتظر خبرا مهما، يصبح الوقت ثقيلا. وعندما نقلق على شخص نحبه، تصبح كل دقيقة امتحانا للصبر. أما في لحظات الفرح، فإننا نتمنى لو تتوقف الساعة، لكنها تجري أسرع مما نتخيل.

ليس لأن الوقت يخدعنا، بل لأن مشاعرنا تعيد رسمه.

تأمل آخر يوم قبل السفر. تشعر أن الساعات لا تنتهي. وكلما نظرت إلى الساعة، تمنيت أن تقفز إلى موعد الرحلة. لكن ما إن تبدأ الإجازة، حتى تجدها انتهت أسرع مما توقعت.

وتأمل الطفل وهو ينتظر صباح العيد. ليلة واحدة تبدو له طويلة جدا. بينما ينظر إليها والده وكأنها مرت في لمح البصر.

الوقت واحد، لكن العمر والتجربة والمشاعر تجعل لكل إنسان ساعة مختلفة يعيش بها.

حتى في العمل يحدث الأمر نفسه. آخر نصف ساعة قبل نهاية الدوام تبدو أطول من أول ثلاث ساعات. ليس لأن عقارب الساعة تباطأت، بل لأن العقل بدأ يعد الثواني.

وفي المقابل، قد تنشغل بكتاب تحبه، أو حديث ممتع، أو رحلة مع من ترتاح لهم، فتتفاجأ أن الليل حل دون أن تشعر.

لهذا يقول البعض إن السعادة تجعل الوقت يطير، بينما الحزن يجعله يمشي على أطراف أصابعه.

لكن هناك خدعة أكبر.

نحن نظن دائما أن لدينا وقتا كثيرا. نؤجل الزيارة، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل الاتصال، ونؤجل الحلم، ونؤجل البداية. ثم نلتفت فجأة، فنكتشف أن السنوات مرت أسرع مما كنا نظن.

هنا لا يكون الوقت قد خدعنا.

بل نحن الذين خدعنا أنفسنا.

الوقت لا يسرع ولا يبطئ. هو يمضي بالسرعة نفسها منذ آلاف السنين. الذي يتغير هو ما نحمله في قلوبنا، وما نعيشه في تلك اللحظة.

لذلك، لا تجعل انتظارك يسرق منك متعة اليوم، ولا تجعل انشغالك يؤجل الأشياء الجميلة إلى وقت قد لا يأتي.

عش لحظتك كما هي. استمتع بما بين يديك. واترك للساعة مهمتها الوحيدة.

أن تعد الدقائق.

أما أنت... فعد الذكريات.

عصام كوشك 

23محرم 1448هـ

8يوليو 2026م



لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
تعليقات
    🟢 أحدث الموضوعات:
    جاري تحميل أحدث الموضوعات...