📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

ممثلون... والمسرح مختلف


في الثامنة صباحا يدخل مكتبه بوجه لا يشبه ذلك الوجه الذي سيعود به إلى البيت بعد ساعات. يوقع المعاملات، ويناقش الموظفين، ويرد على الاتصالات، وقد يرفع صوته عندما يستدعي الموقف ذلك. في نظر الجميع هو المدير. ثم يفتح باب منزله، فيركض إليه طفل صغير وهو يصرخ: "بابا!". وفي أقل من خمس ثوان يختفي ذلك المدير تماما، ويجلس على الأرض يضحك ويلعب، وكأن شخصا آخر قد دخل المنزل.

السؤال هنا ليس: هل كان يمثل؟ بل: هل كان يعيش كل دور كما ينبغي؟ الحقيقة أن الإنسان لا يعيش بشخصية واحدة طوال اليوم. فالطبيب ليس كما هو في غرفة العمليات عندما يجلس مع والدته، والمعلم ليس كما هو في الفصل عندما يرافق أبناءه إلى الحديقة، والقاضي لا يتحدث مع أحفاده بالطريقة نفسها التي يخاطب بها المتقاضين. الحياة نفسها تفرض علينا أن نغيّر أسلوبنا بحسب المكان والمسؤولية.

والغريب أننا لا نستغرب هذا التغيير، بل قد نستغرب الإنسان الذي يتعامل مع الجميع بالطريقة نفسها. تخيل طبيبا يمازح مريضه كما يمازح أصدقاءه، أو مديرا يتحدث مع موظفيه بالطريقة نفسها التي يتحدث بها مع أطفاله. لن تبدو الصورة طبيعية، لأن لكل مقام لغته، ولكل موقف أسلوبه.

لكن هنا يبدأ الفرق الحقيقي. اختلاف الأسلوب ليس المشكلة، بل اختلاف المبادئ. هناك من يغيّر طريقته احتراما للمكان والأشخاص، وهناك من يغيّر وجهه ليكسب مصلحة. الأول نضج، والثاني تمثيل. الأول يعرف كيف يتعامل، والثاني يعرف فقط كيف يتلون.

ليس عيبا أن تكون هادئا في المسجد، وحازما في العمل، ومرحا مع أصدقائك، ولطيفا مع أطفالك. بل العيب أن تكون صادقا مع من تحتاجه، وكاذبا مع من لا تنتظر منه شيئا. وأن تكون مؤدبا أمام الناس، ثم تخلع هذا الأدب عند أول باب يغلق خلفك في المنزل.

كم من شخص يصفق له الجميع خارج المنزل، بينما أهل بيته يتمنون لو عاملهم بنصف ذلك اللطف. وكم من إنسان بسيط لا يعرفه أحد، لكنه يحمل الوجه نفسه أينما ذهب. ليس لأنه لا يعرف تبديل الأدوار، بل لأنه لم يفقد نفسه بينها.

هناك من يبدل ثيابه كل يوم، وهناك من يبدل شخصيته. الأول أمر طبيعي، أما الثاني فغالبا لا يعرف من يكون عندما يبقى وحده. فالإنسان الذي يعيش بوجه لكل موقف، قد ينجح في إقناع الآخرين فترة من الزمن، لكنه مع الأيام قد يعجز عن معرفة وجهه الحقيقي.

ارتد ما شئت من الأدوار. كن أبا، أو زوجا، أو صديقا، أو مديرا، أو معلما. لكن لا تخلع ضميرك كلما دخلت مسرحا جديدا. فالأدوار تنتهي، والمناصب تتغير، والأماكن تتبدل، أما الأخلاق فهي الشخصية الوحيدة التي ينبغي ألا تتغير.

عصام كوشك 

السبت 18 صفر 1448هـ

1 أغسطس 2026 م

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات