📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

عزومة مراكبية




من أجمل العبارات التي ورثناها في كلامنا الشعبي عبارة "عزومه مراكبية". وهي ببساطة عزومه يقدمها صاحبها وهو مطمئن أن الظروف ستتكفل بالرفض نيابة عن الضيف. يعني الكرم موجود والكلام حاضر والحماس ما شاء الله... لكن أهم شرط لنجاح العزومة أن الطرف الثاني لا يقول: موافق!

والتعبير قديم، لكن الفكرة لم تختف. فقط نزل أصحابها من المركب وانتشروا بيننا.

تسمع أحدهم يقول لك: "والله لازم تتعشى عندي". فتشكره وتعتذر، فيصر أكثر: "لا والله ما يصير، لازم". وتعتذر مرة ثانية، فيزداد كرمه فجأة: "أجل وعد المرة الجاية". وتمضي المرة الجاية والتي بعدها، وتظل العزومة تتمتع بصحة جيدة دون أن يصاب منها طبق واحد بأذى.

وهناك نسخة أخرى أكثر تطورا: "لازم تمر علينا". عبارة جميلة تسمعها كلما قابلت صاحبها. تمر الشهور وربما السنوات، وكل لقاء بينكما ينتهي بالعبارة نفسها: "لا تقطعنا، لازم نشوفك". والعجيب أن كليكما يعرف أن اللقاء القادم قد يكون في المكان نفسه وبالجملة نفسها.

المشكلة ليست في المجاملة. المجاملات جزء جميل من حياتنا، وبعض الكلمات نقولها من باب المحبة والترحيب ولا ينتظر أحد تنفيذها حرفيا. لكن هناك فرق بين كلمة لطيفة نقولها بمحبة، وبين عرض نقدمه ونحن نعتمد في سلامة الموقف كله على أن الطرف الآخر لن يقبله.

وهنا السؤال الممتع:

ماذا لو قال لك: تم؟

هنا تبدأ الاختبارات الحقيقية لعزومة المراكبية.

"والله لازم تتعشى عندي."

— أبشر، متى؟

لحظة صمت صغيرة قد تكون كافية لإعادة ترتيب العلاقات الدولية. 😂

لأن بعض العزائم تكون كريمة جدا ما دامت في الهواء، فإذا حاول أحد إنزالها على أرض الواقع بدأت المواعيد تزدحم والظروف تتكاثر والجملة الشهيرة تظهر: "خلينا ننسق".

والطريف أننا جميعا تقريبا نفهم هذه اللغة الاجتماعية. نعرف متى تكون الدعوة دعوة، ومتى تكون تحية متنكرة في هيئة دعوة. وربما لهذا تستمر اللعبة بلا خسائر: هذا يعزم وذاك يعتذر، الأول يصر والثاني يقسم أنه مرتبط، ثم يفترقان وكل واحد منهما أدى دوره بنجاح.

لكن ربما نستطيع أن نجعل كلماتنا أبسط وأصدق. ليس ضروريا أن تكون كل محبة عزومة، ولا كل ترحيب وعدا، ولا كل لقاء مشروعا لعشاء قادم. أحيانا تكفي كلمة صادقة مثل: "سعدت بشوفتك" لتقول أكثر مما تقوله عزومة نعرف جميعا أنها لن تصل إلى السفرة.

فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى مبالغة في الكلام، والمودة لا تقاس بعدد المرات التي قلنا فيها "لازم تتعشى عندي".

وبالمناسبة...

إذا عزمت أحدا عزومة مراكبية، فانتبه جيدا.

يمكن يطلع ما يعرف الأصول... ويقول لك: تم! 😂

عصام كوشك 

الأحد 26 صفر 1448هـ

9 أغسطس 2026م

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات