📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

لماذا بهذا الإتجاه !

 


تنظر إلى ساعتك عشرات المرات كل يوم، وترى العقارب تتحرك دائما في الاتجاه نفسه. ولو تحركت بالعكس لقلت فورا إن الساعة فيها مشكلة.

لكن هل سألت نفسك يوما: من قال إن هذا هو الاتجاه الصحيح أصلا؟ ولماذا لم تدُر عقارب الساعة في الاتجاه الآخر؟

الحكاية لم تبدأ بالعقارب، ولا بالتروس، ولا حتى بالساعة التي نعرفها اليوم.

بدأت قبل ذلك بآلاف السنين... عندما كان هناك شمس وظل.

قبل نحو خمسة إلى ستة آلاف عام بدأت حضارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطوير وسائل أكثر تنظيما لقياس الوقت. وفي مصر القديمة استخدمت المسلات منذ نحو 3500 قبل الميلاد، وكانت حركة ظلالها تساعد الناس على تقسيم النهار ومعرفة الصباح من بعد الظهر. ثم ظهرت نحو 1500 قبل الميلاد ساعة ظل مصرية محمولة قسمت ساعات النهار بطريقة أكثر دقة.

ومع مرور القرون تطورت الساعات الشمسية وأصبحت أكثر تعقيدا. وبحلول القرن الأول قبل الميلاد كان المعماري الروماني فيتروفيوس يصف ثلاثة عشر نوعا من الساعات الشمسية المستخدمة في اليونان وآسيا الصغرى وإيطاليا.

وهنا تبدأ علاقتنا باتجاه عقارب الساعة.

في النصف الشمالي من الكرة الأرضية تتحرك ظلال كثير من الساعات الشمسية الأفقية خلال النهار في الاتجاه الذي أصبحنا نسميه لاحقا "اتجاه عقارب الساعة". وهناك نماذج تاريخية محفوظة لساعات شمسية رُقمت ساعاتها بهذا الاتجاه. وفي المقابل توجد ساعات شمسية صممت للاستخدام في النصف الجنوبي ورُقمت في الاتجاه المعاكس.

ثم جاءت النقلة الكبيرة.

في النصف الأول من القرن الرابع عشر بدأت الساعات الميكانيكية الكبيرة تظهر في أبراج عدد من المدن الإيطالية. لم تعد الشمس ضرورية لمعرفة الوقت، فقد أصبحت الأوزان والتروس وآليات الحركة تقوم بالمهمة. وبعد ذلك ظهرت الساعات التي تعمل بالزنبرك في بدايات القرن السادس عشر، ثم جاءت ساعة البندول التي صنعها العالم الهولندي كريستيان هويغنس في القرن السابع عشر، فدخل قياس الوقت مرحلة جديدة من الدقة.

لكن لماذا احتفظت العقارب بالاتجاه الذي نعرفه اليوم؟

التفسير الشائع أن صناع الساعات الميكانيكية الأوائل في أوروبا حافظوا على اتجاه أصبح مألوفا بصريا من الساعات الشمسية في النصف الشمالي. وهو تفسير منطقي تدعمه طريقة عمل تلك الساعات، لكن لا توجد وثيقة تاريخية معروفة تقول إن صناع الساعات اجتمعوا يوما وقرروا رسميا: "من الآن ستدور العقارب إلى اليمين".

ربما حدث الأمر ببساطة لأن هذا هو الشكل الذي اعتاده الناس، ثم أصبح الاعتياد معيارا، والمعيار أصبح قاعدة، والقاعدة استمرت قرونا.

والطريف أننا اليوم نستخدم الساعة نفسها لتعريف الاتجاه، فنقول: "مع عقارب الساعة" و"عكس عقارب الساعة"، وكأن العقارب هي التي اخترعت الاتجاه.

بينما الحكاية أقدم من العقارب بكثير.

وفي المرة القادمة التي تنظر فيها إلى ساعتك، ربما لن ترى مجرد عقربين يتحركان.

قد ترى أثرا بعيدا لحكاية بدأت منذ آلاف السنين...

بشمس وظل وإنسان كان يحاول أن يعرف: كم مضى من النهار؟

عصام كوشك

السبت 9 ربيع الأول 1448هـ

22 أغسطس 2026 م 


لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات