لدينا قدرة عجيبة في العثور على المتهم بسرعة.
تتعثر الأمور فنبحث عن السبب. وإذا وجدنا سببا يبدو منطقيا، نضعه في قفص الاتهام ونغلق القضية. الجوال أفسد العلاقات. الزمن غير الناس. السوق أفشل المشروع. ضيق الوقت منعنا. الجيل الجديد لم يعد يهتم. والناس لم تعد تقرأ.
أحكام تبدو مقنعة، وبعضها قد يكون صحيحا فعلا.
لكن ماذا لو كان المتهم بريئا؟
ماذا لو أننا أحيانا لا نبحث عن السبب الحقيقي بقدر ما نبحث عن تفسير يريحنا؟
فالسبب الحقيقي ليس دائما لطيفا. قد يجبرنا على مراجعة أنفسنا، أو الاعتراف بخطأ، أو تغيير شيء اعتدنا عليه. أما وجود متهم جاهز فيختصر علينا كل ذلك.
نقول إن الجوال أبعد أفراد الأسرة عن بعضهم. وقد يكون صحيحا. لكن ماذا لو أن الجوال لم يصنع المسافة، بل وجدها موجودة فملأها؟ ماذا لو كان كل فرد قد وجد في شاشته ما لم يعد يجده في الجلسة نفسها من حديث واهتمام وإنصات؟
ونقول إن الناس لم تعد تقرأ. لكن الناس نفسها قد تقضي وقتا طويلا أمام موضوع شد انتباهها، وتغلق موضوعا آخر بعد أسطر قليلة. فهل اختفت الرغبة في القراءة فعلا، أم أن المنافسة على وقت القارئ أصبحت أصعب، وأصبح عليه أن يجد سببا يستحق أن يمنحك دقائق من يومه؟
ونقول إن مشروعا لم ينجح لأن السوق سيئ. وربما كان السوق سيئا بالفعل. لكن احتمال آخر يظل قائما: ربما قدمنا للسوق ما أردنا نحن أن نبيعه، لا ما أراد هو أن يشتريه.
ونلوم الوقت على علاقات تغيرت. نقول إن السنوات غيرت الناس، وإن المشاغل فرقتهم. وربما فعلت. لكن الزمن أحيانا لا يغير العلاقات بقدر ما يكشف مقدار ما كان يبقيها حية من الأصل.
حتى عبارة بسيطة مثل "ما عندي وقت" تستحق التحقيق.
فجميعنا نملك الأربع والعشرين ساعة نفسها، لكننا نوزعها بطريقة مختلفة. وربما لا تكون المشكلة دائما في غياب الوقت، بل في المكان الذي أعطيناه لهذا الشيء بين أولوياتنا. والفرق كبير بين أن تقول "لا أملك وقتا له" وأن تعترف لنفسك بأنه ليس مهما بما يكفي لتصنع له وقتا.
وهنا تصبح القضية أكبر من الجوال والوقت والسوق والناس.
إنها طريقتنا في تفسير ما يحدث لنا.
فالإنسان لا يحب الأسئلة التي تهدد الصورة التي رسمها عن نفسه. ولذلك قد يفضل أحيانا تفسيرا ناقصا لكنه مريح على تفسير أدق يجبره على التغيير.
أسهل أن تقول: "الناس تغيرت" من أن تسأل: "هل تغير أسلوبي معهم؟"
وأسهل أن تقول: "الناس ما عاد يعجبها شيء" من أن تسأل: "هل ما أقدمه يستحق إعجابهم؟"
وأسهل أن تقول: "الظروف لم تساعدني" من أن تسأل: "هل فعلت فعلا كل ما كان بإمكاني؟"
لكن انتبه...
ليس المقصود أن نحول كل قضية ضد أنفسنا. فهذا ظلم آخر.
قد يكون الجوال هو المشكلة فعلا. وقد يكون السوق سيئا. وقد تخذلك الظروف. وقد يتغير الناس دون أن تكون أنت السبب.
الفكرة ليست أن نبرئ الجميع وندين أنفسنا.
الفكرة ألا نصدر الحكم قبل انتهاء التحقيق.
وهنا سؤال يستحق أن نتوقف أمامه:
كم مشكلة في حياتنا ما زلنا نحاول حلها بالطريقة الخطأ، لأننا أخطأنا منذ البداية في تحديد المتهم؟
قد نقضي سنوات نحارب العرض ونترك السبب. نغير الأشخاص، ونبدل الأماكن، ونشتكي من الظروف، وننتظر أن يتغير الآخرون، بينما أصل المشكلة جالس بهدوء في مكان لم نفتش فيه.
ولعل أخطر ما في المتهم الخطأ أنه لا يضيع العدالة فقط...
بل يترك المذنب الحقيقي حرا.
لذلك عندما تتكرر مشكلة، أو تفشل محاولة، أو يتغير شيء لم تكن تتوقع تغيره، لا تتعجل في البحث عن شخص تعلق عليه التهمة.
افتح القضية من جديد.
راجع الأدلة.
واسأل السؤال الذي قد لا يعجبك جوابه:
هل هذا هو السبب فعلا... أم أنه فقط السبب الذي أراحني أن أصدقه؟
فبعض القضايا لا تحتاج إلى متهم جديد.
بل تحتاج فقط إلى شجاعة إعادة التحقيق.
وعندها قد تكتشف أن الحكم الذي عشت مقتنعا به طويلا كان يحتاج إلى مراجعة...
وأن المتهم بريء.
عصام كوشك
الخميس 14 ربيع الأول 1448هـ
27 أغسطس 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع