📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

قوانين لم يكتبها أحد


هل سبق أن دخلت مكانا فيه عشرون كرسيا فارغا، وكان هناك شخص واحد فقط يجلس في أحدها؟ غالبا لن تختار الكرسي الملاصق له. ستترك بينكما كرسيا، وربما أكثر، مع أن أحدا لم يخبرك أن الجلوس بجواره ممنوع، ولا توجد لوحة تقول: "يرجى ترك مسافة بين الغرباء".

والأغرب أن الشخص الجالس سيفهم تصرفك تماما، لأنه على الأغلب كان سيفعل الشيء نفسه.

من اتفق على ذلك؟

لا أحد.

ومع ذلك... الجميع تقريبا يعرف القانون.

نعيش يوميا وسط عشرات القواعد من هذا النوع. قواعد لم تصدر بقرار، ولم نقرأها في كتاب، ولم يشرحها لنا أحد، ومع ذلك نتصرف وفقا لها وكأن نسخة سرية منها وزعت علينا منذ زمن.

ادخل مصعدا فيه شخص واحد، وستجد نفسك غالبا تختار جهة أخرى بدلا من الوقوف ملاصقا له. اركب وسيلة نقل فيها مقاعد كثيرة فارغة، وستبحث غالبا عن مساحة تخصك قبل أن تجلس بجوار غريب. ادخل مكانا هادئا يتحدث الموجودون فيه بأصوات منخفضة، وستجد صوتك ينخفض تلقائيا، حتى لو كنت قبل ثوان تتحدث بصوت مرتفع.

ولا أحد طلب منك شيئا.

حتى الأشياء الصغيرة لها قوانينها الغريبة. في غرفة انتظار، يترك شخص حقيبته على الكرسي ويبتعد قليلا، فنتعامل مع الكرسي وكأنه أصبح ملكية خاصة مؤقتة. وفي موقف شبه فارغ للسيارات، توجد سيارة واحدة في مساحة واسعة، ومع ذلك يميل كثيرون إلى ترك مسافة بينها وبين سياراتهم بدلا من الالتصاق بها.

أما المشي خلف شخص غريب لمسافة طويلة فله نظام آخر. إذا تساوت سرعتكما وبقيت خلفه فترة، يبدأ الموقف فجأة في الشعور بالغرابة. إما أن تسرع لتتجاوزه، أو تبطئ لتترك مسافة، وربما يفعل هو الشيء نفسه. لا أحد ارتكب خطأ، ومع ذلك يشعر الطرفان أن شيئا ما يحتاج إلى تعديل.

طيب... من وضع هذه القوانين؟

ربما لا يوجد شخص واحد وضعها أصلا. نحن نتعلمها بالملاحظة. نرى كيف يتصرف الآخرون، ونلاحظ المسافات التي يتركونها، ونقرأ نظراتهم وردود أفعالهم، ثم نخزن كل ذلك دون أن نشعر. وبعد سنوات نصبح نحن أيضا جزءا من النظام، ونطبقه على شخص جديد لم يستلم هو الآخر أي تعليمات.

والطريف أن هذه القوانين ليست واحدة في كل مكان. ما يعد مسافة طبيعية بين شخصين في مجتمع قد يبدو بعيدا في مجتمع آخر، وما يعتبر تصرفا عاديا في بلد قد يثير الاستغراب في بلد آخر. وهذا وحده يكشف أن كثيرا مما نفعله ليس قانونا ثابتا، بل اتفاقا صامتا تعلمناه ممن حولنا.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة:

كم قاعدة نطبقها كل يوم لمجرد أننا وجدنا الآخرين يطبقونها؟

وربما الأغرب من ذلك: كم مرة شعرنا أن شخصا ما تصرف بطريقة "غريبة"، بينما كل ما فعله أنه خالف قانونا لم نخبره أصلا بوجوده؟

نحن إذا لا نعيش بالقوانين المكتوبة وحدها. هناك نظام آخر يعمل في الخلفية، لا محاكم له ولا مخالفات ولا لوائح، ومع ذلك يضبط مسافاتنا وحركاتنا وبعض تصرفاتنا أكثر مما نتخيل.

ولهذا ربما تكون أغرب القوانين هي تلك التي لا نعرف أنها قوانين إلا عندما يخالفها أحد.

وإذا أردت أن تتأكد...

في المرة القادمة التي تدخل فيها صالة انتظار فارغة تقريبا، اجلس مباشرة بجوار الشخص الوحيد الموجود فيها.

لا تقل شيئا.

فقط راقب وجهه.

سيشرح لك القانون الذي لم يكتبه أحد.

أغرب القوانين تلك التي لا نعرف أنها قوانين 

إلا عندما يخالفها أحد

عصام كوشك 

الأحد 26 صفر 1448هـ

9 أغسطس 2026 م

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات