زمان كان موجودا في الشوارع والمطارات والمستشفيات وأماكن كثيرة. تليفون بسيط له سماعة ثقيلة وفتحة صغيرة تنتظر منك قطعة معدنية. ترفع السماعة فلا يحدث شيء، وتضع العملة فيبدأ كل شيء.
لم يكن التليفون بخيلا ولا قليل ذوق، كانت هذه ببساطة طريقته في العمل. والحق يقال إنه كان صريحا جدا. لم يوهمك بأن المكالمة من أجلك ثم يطالبك بشيء في منتصفها، ولم يخبرك أن صوتك عزيز عليه، ولم يتظاهر بأنه اشتاق لسماعك. كان يقول لك من البداية وبكل وضوح: ضع العملة أولا... ثم نتكلم.
مرت السنوات واختفت تليفونات العملة من شوارعنا. أو هكذا نظن. فبعض الأشياء تختفي كأجهزة لكنها تبقى كفكرة.
فجأة تسمع صوتا لم تسمعه منذ زمن، وفجأة يكتشف أحدهم أنك شخص رائع وأن رأيك مهم وأن حضورك له قيمة وأنك تستحق كل هذا التقدير الذي تأخر اكتشافه سنوات. جميل... لكن قبل أن تفرح كثيرا انظر إلى فتحة العملات. ربما سقط فيها شيء للتو.
فالعملة اليوم ليست بالضرورة قطعة معدنية. قد تكون مصلحة أو خدمة أو مكانة أو علاقة أو فرصة أو بابا تستطيع أن تفتحه. وقد تكون شيئا صغيرا جدا لا يخطر ببالك، لكنه بالنسبة للطرف الآخر يكفي لتشغيل الخط.
وحين تدخل العملة يبدأ الجهاز في العمل بكفاءة مدهشة. تأتي المكالمات وتكثر الرسائل ويصبح حضورك لافتا، وتظهر فيك صفات جميلة ربما كانت موجودة منذ سنوات، لكن الجهاز ـ لسبب تقني غامض جدا ـ لم يكن قادرا على رؤيتها.
والمشكلة ليست في كلمة طيبة تقال في وقتها، ولا في شخص يقدر شخصا أو يشكره أو يسانده. فالتقدير الصادق لا يحتاج إلى سوء ظن. المشكلة في ذلك التقدير الذي له مفتاح تشغيل، وفي الصوت الذي لا يظهر إلا عندما يحتاج شيئا، وفي الحماس الذي يرتفع مع ارتفاع الرصيد ثم يختفي فجأة عندما تنتهي المكالمة.
والأغرب أنك أحيانا تستطيع معرفة قيمة العملة من قوة الصوت. كلما كانت المصلحة أكبر أصبح الكلام أجمل والصفات أكثر والحماس أعلى، حتى تكاد تنظر إلى نفسك في المرآة وتقول: معقول كل هذا فيّ وأنا ما كنت أدري؟!
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقف دائما في الطرف الآخر من السماعة. فربما كان في داخل كل واحد منا تليفون عملة صغير. شخص لا نتذكره إلا عندما نحتاجه، ورقم لا نبحث عنه إلا إذا ضاقت بنا الخيارات، ومجاملة نؤجلها حتى تصبح لها فائدة، وعلاقة ترتفع حرارتها عندما نريد منها شيئا ثم تعود باردة بعد انتهاء الحاجة.
وهنا تصبح الحكاية أصعب، لأن السؤال لم يعد: من حولي يشبه تليفون العملة؟ بل: هل عندي أنا أيضا خط لا يعمل إلا بمقابل؟
تليفونات العملة القديمة لم تكن سيئة. على العكس، كانت أكثر وضوحا من بعض العلاقات الحديثة. على الأقل كانت تخبرك بشرطها قبل أن تبدأ المكالمة. أما اليوم فقد تسمع كلاما كثيرا قبل أن تعرف أن هناك عملة سقطت في مكان ما.
لذلك عندما يرتفع صوت لم نعتد سماعه، ويكثر الثناء فجأة، وتظهر حرارة لم تكن موجودة بالأمس، فليس من العدل أن نتهم أحدا.
لكن لا بأس أن ننظر بهدوء إلى الجهاز...
ونتأكد فقط أن أحدا لم يضع فيه عملة.؟
عصام كوشك
الثلاثاء 26 ربيع الأول 1448هـ
8 سبتمبر 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع