📁الأحدث
جاري تحميل أحدث الموضوعات...

المقاس واحد


ندخل محل الأحذية فنقيس قبل أن نشتري. نجرب هذا المقاس ثم الذي يليه وربما نمشي خطوات قليلة لنتأكد أن الحذاء مريح. ولا يخطر ببال أحد أن يقول للبائع: أعطني أي مقاس فالناس كلها أقدامها واحدة.

لكن الغريب أننا نفهم هذه الحقيقة البسيطة عندما يتعلق الأمر بأقدامنا وننساها أحيانا عندما يتعلق الأمر بحياتنا.

ففي أشياء كثيرة حولنا يبدو وكأن هناك مقاسا واحدا جاهزا وعلى الجميع أن يدخلوا فيه.

هناك مقاس للنجاح. دراسة معينة ثم وظيفة ثم دخل ثم بيت ثم خطوات يفترض أن تأتي بترتيب معروف. فإذا اختار شخص طريقا مختلفا بدأت الأسئلة تحاصره وكأن المشكلة ليست في اختلاف الطريق بل في اختلافه هو.

وهناك مقاس للتربية. طريقة نجحت مع الابن الأول فنحاول استخدامها مع الثاني ثم نستغرب عندما لا تعطينا النتيجة نفسها. مع أن أبناء البيت الواحد قد يعيشون تحت السقف نفسه ويتلقون التربية نفسها ثم يخرج كل واحد منهم بشخصية مختلفة تماما.

حتى النصائح لها مقاسات.

شخص نجح في تجربة فيقدمها للآخرين وكأنها وصفة مضمونة. افعل ما فعلت وستصل إلى ما وصلت إليه. وينسى أن تجربته لم تحدث في فراغ. كان لها وقت وظروف وشخصية وقدرات وفرص وربما أشياء صغيرة لا يعرف هو نفسه مقدار تأثيرها في النتيجة.

وفي العمل نفعل الشيء نفسه. نرى موظفا ناجحا في مهمة فنفترض أنه سينجح في كل مهمة. أو نرى أسلوب إدارة نجح في مكان فننقله إلى مكان آخر كما هو ثم نستغرب لماذا لم يعمل. وكأن البشر قطع غيار تحمل الرقم نفسه.

بل إننا أحيانا نضع مقاسا واحدا للفرح نفسه.

ما يسعدني يجب أن يسعدك. وما أراه إنجازا يفترض أن تراه إنجازا. وما أعتبره حياة جميلة يصبح عندي النموذج الذي أقيس به حياة الآخرين.

ومن هنا تبدأ مشكلة أكبر.

قد ننظر إلى إنسان ونراه متأخرا بينما هو يسير في طريق مختلف. ونرى آخر فاشلا لأنه لم ينجح بالطريقة التي نعرفها. وربما نصف شخصا بأنه غير مناسب بينما الحقيقة أنه غير مناسب فقط للمكان الذي وضعناه فيه.

ليس كل اختلاف خللا.

وأحيانا لا يحتاج الإنسان إلى أن نصلحه بقدر ما يحتاج إلى أن نتوقف عن محاولة إدخاله في مقاس لم يصنع له.

وهذا لا يعني أن الحياة بلا معايير أو أن كل اختيار صحيح لمجرد أنه مختلف. هناك قواعد لا تستقيم الأمور بدونها وهناك مسؤوليات لا تتغير باختلاف الأشخاص. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين المعيار الضروري وبين ما اعتدنا عليه حتى ظنناه المقياس الوحيد.

ولعل المفارقة أننا نأخذ وقتا طويلا لاختيار مقاس حذاء يناسب أقدامنا ثم نقبل أحيانا أن يختار الآخرون مقاس حياة كاملة لنا.

ربما لهذا نتعب أحيانا ونحن نحاول أن نكون مثل غيرنا. لا لأن الطريق صعب فقط بل لأننا نمشي فيه بحذاء ليس مقاسنا.

وقبل أن نحكم على شخص أو ننصحه أو نقارن حياته بحياة غيره قد يكون من المفيد أن نسأل سؤالا بسيطا:

هل هناك خطأ فعلا؟

أم أن المقاس فقط... ليس مقاسه؟

عصام كوشك 

الأربعاء 27 ربيع الأول 1448هـ

9 سبتمبر 2026 م 

لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب

شارك عبر الواتساب
مركازعصام
مركازعصام
تعليقات