تدخل المصعد وتضغط رقم الدور الذي تريده فيضيء الزر أمامك معلنا أن الطلب وصل وبعد ثوان تجد نفسك تضغطه مرة ثانية مع أن الزر لا يزال مضاء والمصعد يعرف إلى أين تريد الذهاب والضغطة الثانية لن تجعله أسرع
قد يبدو التصرف عاديا ولا يستحق التفكير لكن الغريب أننا نكرر الفكرة نفسها في مواقف كثيرة من حياتنا فنرسل رسالة ثم ننظر إلى الهاتف كل دقيقتين مع أننا نعرف أنه سينبهنا إذا جاء الرد وننتظر نتيجة أو معاملة فنعود لمتابعتها مرات متقاربة رغم أن متابعتنا لن تجعلها تنتهي أسرع
المشكلة ليست في المتابعة فالمتابعة مطلوبة أحيانا وقد تكون ضرورية والمشكلة ليست في المحاولة فهناك أبواب تستحق أن نطرقها أكثر من مرة لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود ما نفعله مؤثرا في النتيجة ومع ذلك نستمر في فعله فقط لأن التوقف يشعرنا بأننا لا نفعل شيئا
ربما لهذا نكرر بعض الأفعال أكثر مما تحتاج فالحركة تعطينا شعورا بأننا ما زلنا نملك شيئا من السيطرة وأننا لم نترك الأمر للانتظار وحده حتى لو كنا في الحقيقة لا نضيف شيئا جديدا لما فعلناه
وهنا يظهر فرق صغير في شكله لكنه كبير في أثره فهناك فرق بين أن تفعل شيئا وبين أن تشعر أنك تفعل شيئا لأن الإحساس بالفعل ليس دائما فعلا
بعض الأمور تحتاج منا إصرارا ومحاولة أخرى واتصالا جديدا وبابا نطرقه للمرة الثانية وربما الثالثة والاستسلام عند أول محاولة ليس حكمة لكن هناك أمورا أخرى فعلنا تجاهها كل ما نستطيع فأرسلنا الطلب واتخذنا القرار وقلنا ما يجب أن يقال وأتممنا ما علينا وما بقي بعد ذلك ليس محاولة جديدة بل وقت يجب أن يمر
وربما هذه هي المهارة التي لا نتحدث عنها كثيرا فنحن نتعلم كيف نبدأ وكيف نحاول وكيف نصر وكيف نعيد المحاولة لكننا لا نتعلم بالقدر نفسه متى تكون المحاولة التالية مفيدة ومتى تصبح مجرد ضغطة جديدة على زر مضاء أصلا
ليس كل انتظار تقصيرا وليس كل حركة إنجازا وليس تكرار الفعل دليلا دائما على أننا نبذل جهدا أكبر فأحيانا يكون أكثر ما نستطيع فعله بعد أن نفعل ما علينا هو أن نترك الأمر يأخذ وقته
لذلك عندما تجد نفسك تضغط الزر للمرة الثالثة قد يكون من المفيد أن تسأل نفسك هل هذه الضغطة ستغير شيئا فعلا أم أنني فقط لا أحب الانتظار
فربما لا تحتاج إلى محاولة جديدة
ربما تحتاج فقط أن ترفع إصبعك عن الزر وتعطي المصعد فرصة يصل
عصام كوشك
السبت 8 ربيع الثاني 1448هـ
19 سبتمبر 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع