لو أردت أن تعرف شيئا من طبع السعودي فلا تسأله عنه كثيرا
ادخل بيته ضيفا وحاول أن تقنعه أنك لا تريد العشاء
هنا تبدأ المفاوضات الحقيقية
ستقول إنك شبعان وسيقول لك كل شيء جاهز وستؤكد أنك أكلت قبل قليل وسيعتبر كلامك محاولة لطيفة للهرب وفي النهاية قد تجد نفسك أمام سفرة كاملة وأنت ما زلت تشرح أنك حضرت فقط لتسلم
وقد تبدو الحكاية طريفة لكنها تقول شيئا أكبر من العشاء نفسه
فالكرم عندنا لم يكن يوما مجرد كمية طعام توضع أمام الضيف بل طريقة في استقباله وفي إكرامه وفي إشعاره بأن المكان مكانه وأن حضوره ليس عبئا على أحد
وفي الطريق قد تسأل شخصا عن عنوان فتفاجأ بأنه لم يكتف بوصفه لك بل يقول امش ورايا أوصلك
وفي مجلس يدخل الكبير فتتغير الجلسة من غير أن يطلب شيئا ويتقدم في المكان لأن احترام الكبير لم يكن بندا مكتوبا على باب المجلس بل سلوكا عرفناه قبل أن نعرف اسمه
وفي الشدة تظهر كلمة يعرفها السعوديون جيدا وهي الفزعة
قد يختلف الناس وقد تتباعد بينهم الأيام لكن عندما يقع موقف حقيقي تسقط أشياء كثيرة ويظهر معدن آخر لا يحتاج إلى مقدمات طويلة
لهذا جاء شعار اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين عزنا بطبعنا قريبا من الناس لأنه لم يبحث عن العز في شيء بعيد عنهم بل وجده في طباعهم وقيمهم وتظهر في الهوية الرسمية لهذا العام قيم الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم بوصفها جوانب من هذه الشخصية الوطنية
لكن الجميل في كلمة طبع أنها لا تتحدث فقط عما ورثناه بل تضع أمامنا سؤالا عما سنورثه
فنحن نعيش في وطن يتغير بسرعة ونرى مدنا تكبر وتقنيات تدخل حياتنا وأجيالا جديدة تنظر إلى العالم بطريقة مختلفة وهذا كله جزء طبيعي من التقدم
لكن التقدم الحقيقي لا يشترط أن نترك أجمل ما فينا خلفنا
يمكن أن تتغير بيوتنا وتبقى أبوابنا مفتوحة للضيف ويمكن أن تتغير وسائل التواصل ويبقى السؤال عن الجار ويمكن أن تصبح حياتنا أسرع ويبقى للكبير قدره ويمكن أن تكبر المدن ولا تصغر معها الفزعة ويمكن أن نذهب بعيدا نحو المستقبل ونحن نحمل معنا أصالتنا
فالوطن ليس أرضا ومباني ومشروعات فقط
الوطن أيضا طباع يحملها أهله معهم أينما ذهبوا
وفي اليوم الوطني لا نحتفل فقط بما وصل إليه وطننا بل نتذكر أيضا مسؤوليتنا تجاه ما نريد أن يبقى فيه
لأن بعض ما نصنعه اليوم سيصبح غدا طبع جيل لم يولد بعد
وحين يكبر أبناؤنا وأحفادنا في وطن أكثر تطورا مما نراه اليوم سيكون جميلا أن يجدوا وسط كل ذلك شيئا لم يتغير
أن يبقى الضيف عزيزا والكبير مقدرا والمحتاج له فزعة والوطن فوق الجميع
عندها لن يكون عزنا بطبعنا مجرد شعار ليوم وطني
بل وصفا لنا يعرفه الناس قبل أن نقوله
كل عام وبلادنا عزيزة بأهلها شامخة بقيادتها آمنة مطمئنة
وكل عام وعزنا بطبعنا
عصام كوشك
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ
23 ديسمبر 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع