الغريب في الإنسان أنه يستطيع أن يحول أشياء كان يحلم بها إلى أشياء عادية جدا في وقت أقصر مما نتخيل
يمكن الواحد يقعد شهورا يدور على سيارة معينة وكلما مرت من أمامه تابعها بعينه وفتح المواقع وشاف الصور والأسعار والمواصفات وإذا اشتراها أخيرا صار أول أسبوع ينزل من البيت ويتأملها قبل ما يركب ويمسح عنها الغبار بيده ولو وقفت جنبها سيارة فتح بابها بحذر كأنه يجري عملية قلب مفتوح
وبعد كم شهر؟
يركبها ويرمي أغراضه في الخلف ويقول والله الموديل الجديد شاشته أكبر
ولا السيارة تغيرت ولا صغرت الشاشة
هو فقط تعود
واحد ثاني يتمنى سنوات أن يسكن قريب من عمله ويتخيل النعيم الذي سيعيشه عندما يتخلص من زحمة المشوار الطويل ثم يسكن قريبا فعلا ويفرح فترة وبعدها تبدأ الإشارة التي تأخره ثلاث دقائق تستفزه ويقول كل يوم نفس الزحمة
والثلاث دقائق المسكينة لا تعرف أن صاحبنا كان قبل فترة يقضي ساعة كاملة في الطريق ويحلم بهذه الزحمة تحديدا
والحكاية لا تتوقف عند الأشياء الكبيرة
مطعم كنت تقطع له مشوارا لأنه بعيد ثم فتح فرعا بجانب بيتك وبعد فترة لم تعد تذهب إليه
منظر جميل كنت تقف عنده وتتأمله ثم أصبحت تمر أمامه كل يوم ولا ترفع رأسك
جهاز انتظرت نزوله في الأسواق وقرأت عنه كل شيء وبعد أشهر أصبح الشيء الذي تبحث عنه في كل مكان لأنك لا تتذكر أين وضعته
حتى بعض التفاصيل التي كانت تسعدنا عندما حدثت لأول مرة تصبح مع التكرار جزءا عاديا من المشهد
وهنا تبدأ الهرجة
متى بالضبط حدث ذلك؟
متى انتقل الشيء من خانة يا ليت إلى خانة عادي؟
لا أحد يعرف
لا يأتي صباح معين نستيقظ فيه ونقرر أن هذا الشيء لم يعد مميزا ولا تصلنا رسالة تقول نحيطكم علما بأنه اعتبارا من اليوم سيتم التعامل مع هذه النعمة كأمر اعتيادي
الموضوع يحدث بهدوء
مرة بعد مرة
حتى نتوقف عن ملاحظة الشيء مع أنه ما زال موجودا كما هو
والتعود في حد ذاته ليس عيبا
بالعكس لو ظل الإنسان منبهرا بكل شيء كما كان في أول مرة فلن يستطيع أن يعيش حياته بشكل طبيعي فنحن نحتاج أن نعتاد حتى تستقر الأشياء في حياتنا ونستطيع أن نلتفت إلى غيرها
لكن المشكلة أن التعود أحيانا لا يجعل الأشياء مألوفة فقط
يجعلها غير مرئية
وهنا قد يكون من المفيد بين فترة وأخرى أن ننظر إلى بعض ما حولنا بعين الشخص الذي كنا عليه قبل أن نحصل عليه
ليس لكي نقيم حفلة امتنان كل صباح ولا لكي نقنع أنفسنا أن كل شيء رائع
فقط لكي نتذكر أن بعض الأشياء التي نسميها اليوم عادية كانت في يوم من الأيام أمنية
ويمكن السؤال الحقيقي ليس
متى صار عادي؟
يمكن السؤال الأهم
كم شيء جميل حولنا الآن صار عاديا لدرجة أننا لم نعد نراه؟
عصام كوشك
السبت 22 ربيع الثاني 1448هـ
3 أكتوبر 2026 م
لو عجبك الموضوع شاركه مع أصدقائك عبر الواتساب
شارك عبر الواتساب
يسعدني ويشرفني تعليقك عالموضوع